واصف جوهرية
مقدمة 28
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
بدأب واصف إلى حد أنه استأجر أحد أشهر معلمي العود ، عبد الحميد قطينة ، لتلقينه . وكان واصف يتلقى دروسا من قطينة مرتين في الأسبوع . وفي المقابل ، كرّم والده قطينة بوجبات خاصة : مزّة وعرق ، كان يعدّها ويقدّمها جريس بنفسه . وعلى عكس الانطباع الذي يعطيه واصف عن شخصيته المتمردة ، فقد حصل على درجة كبيرة من التدريس الرسمي . وينعكس هذا في لغته المصقولة وخياله الشعري الغني . وكان خطه الجميل استثنائيا ، وقد حافظ على مستواه حتى سنه المتقدمة . وتكثر الإشارات في مذكراته إلى مصادر متعددة من الشعر الكلاسيكي ، إضافة إلى الشخصيات الأدبية المعاصرة ، بمن فيها السكاكيني ، وأحمد شوقي ، وخليل جبران . إحدى مقولاته المحببة جاءت من جبران الذي يقتبس بمناسبة طرده من المدرسة الابتدائية : " قالوا لي : من علمك حرفا كنت له عبدا ، لذلك بقيت جاهلا حرا . " « 1 » تلقى كل من واصف وأخيه توفيق تدريسه الأول في مدرسة الدبّاغة التي كانت تديرها الكنيسة اللوثرية بالقرب من كنيسة القيامة . وهناك تعلم قواعد اللغة العربية ، والإملاء ، والقراءة ، والحساب . وتعلم اللغة الألمانية أيضا والكثير من التلاوات من الكتاب المقدس . وكان زيّه المدرسي هو القمباز وحذاء شامي من جلد أحمر يعرف باسم " البلاغات " ، اشتراه والده بسبعة قروش من سوق العطارين . « 2 » وفي سنة 1909 ، ( عندما كان ابن اثني عشر عاما ) ، أخرج واصف وتوفيق من الدبّاغة ، بعد أن ضربهما معلم الحساب بوحشية لأنهما هزئا به . ورافق واصف والده في عمله مشرفا على أملاك الحسيني عدة أعوام ، بينما كان يؤدي أحيانا كمغن ( ولاحقا كعازف عود ) في الحيّ . وعندما أسس خليل السكاكيني مدرسته التقدمية " الدستورية الوطنية " في المصرارة ، تدخل والده لدى رئيس البلدية للسماح بقبوله تلميذا خارجيا . وقد اكتسب السكاكيني شهرة واسعة من خلال تطبيق أساليب راديكالية في التربية في مدرسته ، حيث حظر العقاب البدني والامتحانات الكتابية بصورة صارمة . وإضافة إلى قواعد اللغة المتقدمة والأدب والحساب ، فقد اشتمل المنهاج على اللغات الإنكليزية والفرنسية والتركية . وكان السكاكيني رائدا في إدخال نظامين انفردت بهما مدرسته في حينه : التربية البدنية ، والدراسات القرآنية للمسيحيين . وكان السكاكيني نفسه من عشاق الموسيقى ، وكان له هوى خاص بالعود والكمان . وقد شاهد بعض طلاب مدرسة الدستورية واصف يؤدي في الأعراس المحلية ، وسخروا منه لكونه " مغني شوارع وأجيرا " . ودافع السكاكيني عنه وجمع الطلاب للاستمتاع بموسيقاه . وعلى الرغم من حب واصف للدستورية ولأجوائها الليبرالية فقد اضطر ، في النهاية ، إلى تركها نتيجة إصرار وليّ أمره ، حسين الحسيني ، والالتحاق بمدرسة المطران ( سانت جورج ) في الشيخ جراح " . . . من أجل اكتساب المعرفة باللغة الإنكليزية وبناء أساس صلب لمستقبلي " . « 3 » وقد بقي هناك عامين دراسيين ( 1912 / 1913 و 1913 / 1914 ) ، إلى أن أغلقت المدرسة في بداية الحرب . وكان واصف أنهى الصف الرابع الثانوي ( عامه الدراسي العاشر ) ، ومعه أنهى دراسته الرسمية من دون الحصول على شهادة المدرسة الثانوية . وفي مدرسة المطران ، تفوق واصف في التمثيل في مسرحيات المدرسة ، حيث استطاع تطوير مواهبه الموسيقية . ومن أقرانه في الصف : صليبا الجوزي ، الكاتب المسرحي المشهور وأخو بندلي ، المؤرخ الماركسي الذي هاجر إلى الاتحاد السوفياتي ، وشكري الحرامي ، المربي المعروف ومؤسس كلية الأمة .
--> ( 1 ) أنظر صفحة 21 . ( 2 ) أنظر صفحة 21 . ( 3 ) المصدر نفسه ، صفحة 145 - 146 .